Skip to content Skip to footer

الكوميكس: عالمٌ من وحي الخيال اخترعه البشر

يعتبر الكوميكس عالمٌ خيالي ابتكره البشر، فمن منا لم يعد يعرف من قريب أو من بعيد ما هو المقصود بالكوميكس؟ من المحتمل أن يقول البعض أنهم لم يقرأوا عن الكوميكس، أو لا يعرفون ما المقصود بها، حسناً، للإجابة عن هذا السؤال، هل سمعتم من قبل عن الرجل الحديدي؟ هل قرأتم أم شاهدتم أفلام سوبرمان من قبل؟ هل سمعتم بالرجل الوطواط؟ ألا تعرفون الرجل العنكبوت؟ …

لربما لا يجيد بعض الأشخاص التعبير عن آرائهم وأفكارهم، نتيجة لذلك يلجؤون بشكل أو بآخر للتعبير عن آرائهم من خلال الصور، أو الرسوم الهزلية، او القصص المصورة وغيرها الكثير من الأدوات من أجل تحقيق غاية ما.

من هنا يمكننا تعريف الكوميكس بأنه القصص المصورة أو القصص المرسومة سواء بشكل يدوي، أو من خلال الأجهزة الإلكترونية مثل جهاز الحاسوب الحديث، والجدير ذكره هنا، أن الجميع يعرفون الكوميكس، ولكن لربما لم يكونوا يعرفون تماماً ما المقصود به، ولكن بكل الأحوال، بشكل أو بأخر فقد قرأوا عنه، وإن لم يكن كذلك، فإنهم حتماً قد شاهدوا أحد أفلام بات مان، أو لربما شاهدوا بعض من المسلسلات التي سردت قصصهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

الكوميكس: حكاية طويلة

يستطرد بعض المؤرخون أن الكوميكس كانت موجودة من قدم الزمان، بالأحرى منذ تعلم البشرية الرسم، وبرهنوا أقوالهم بأن البشر متأصلين في حب الروايات والحكايات منذ قديم الزمن، إضافة إلى ذلك أن الحكايات كانت ممزوجة ببعض من الرسومات في الحضارات القديمة مثل الهيروغليفية، وفي الحضارة الرومانية القديمة.

تعرف الكوميكس باللغة الإنجليزية (Comics) وتعني باللغة العربية بالرسوم المضحكة، فيعود أول ظهور لها من خلال الرسومات المضحكة التي كانت تعرض في الجرائد، او بعض المقاطع الرسومية، وهي ما تشبه الآن ما يعرف بالكاريكاتير في البلدان العربية، فأصبحت الكوميكس تطلق على كل الرسومات سواء كانت تشير هذه الرسوميات إلى الكوميديا، أو الضحك؛ من أجل توصيل فكرة معينة، أو للتعبير عن أراء ووجهات نظر من خلال حركات معينة.

علاوة على ذلك، تتباين مسميات الكوميكس في البلدان الغربية، فمعظمها لا يحمل نفس ذات الاسم. على سبيل المثال، الكوميكس في دولة اليابان، يدعى باسم مانغا، وفي البلدان الأوروبية المتحدثة باللغة الفرنسية، تُسمي هذا النوع باسم بانديسينية.

عادة ما تُرسم الكوميكس باللون الأبيض والأسود، ويتبعها فيما بعد مرحلة التحبير، ومن ثم تأتي المرحلة الأخيرة والأكثر أهمية وهي مرحلة التلوين، وبجانب ذلك تأتي مرحلة كتابة بعض الجمل سواء فوق، أو تحت، أو حتى بجوار الصور أو الرسوميات، والجدير ذكره هنا أن كل مرحلة من تلك المراحل، يقوم بها أشخاص مختصون، بمعنى أن الأشخاص الذين يقومون بمرحلة التحبير يختلفون تماماً عن الأشخاص المختصين بالرسم، ويختلفون عن الأشخاص المختصين بالتلوين، ومن ثم يأتي الكتاب لكتابة السرد القصصي واستطراد أراءهم وأفكارهم، ومن هنا يتبادر لذهننا بأن كل قسمٍ من هذه الأقسام وكل مختص في تلك المراحل لا يقل أهمية عن غيره، فقد يعتبر المختصون بعملية التحبير السبب في نجاح سرد قصصي، وقد يعتبر المختصون بالتلوين السبب في ذلك، فلا يقل كل شخص مختص من تلك المراحل أهمية عن غيره.

 

قد نجد في بعض الأحيان أسماء متعددة في أسفل قصة ما، أو رسمة، أو كاريكاتير، تلك الأسماء ليست من وحي الخيال، ولكنها تشمل أسم كاتب القصة، أو قد يكون اسم الرسام، أو الشخص المختص بالتحبير، أو الشخص الذي أضاف رونقاً جمالياً للرسمة بعد إضافة الألوان الرائعة الجذابة المناسبة للقصة، إضافة إلى مبتكر النص وصاحب الشخصية، ولربما في بعض الأحيان  يكون مخترع الشخصية في القصة أو الرسمة، هو الرسام ذاته، أو المختص بعملية التحبير، أو المختص بعملية التلوين.

 

الكوميكس: تاريخٌ عريق

يعود ظهور الكوميكس للعالم البشري بشكل أساسي في عام 1820، تحت قيادة رودولف توفر في أوروبا، ولسوء الحظ لم تلقى نجاح كبير، وفي عام 1920 بدأت الكوميكس تنتشر في أنحاء المعمورة، وبدأت تلقى ترحيباً كبيراً وإشادة رائعة من قبل الجماهير، نتيجة لذلك ازدهرت بشكل كبير في أمريكا واليابان، رغم تأصلها وتاريخها القديم في تلك الدول إلى أنها ازدهرت بشكل أكبر، وفي عام 1930، برز الفنان أسامو تيزوكا، الأسطورة الياباني صاحب البصمة الفنية الرائعة الذي عمل على تطوير هذا النوع من الفن بشكل لافت للأنظار في بلاده.  

 

الكوميكس: والمؤسسات العريقة

لا يسعنا الحديث عن الكوميكس دون التطرق لذكر أهم المؤسسات العريقة المختصة بالكوميكس والتي تعتبر إلى حد ما أهم الركائز والأعمدة الرئيسية في إنتاج الكوميكس.

  • مؤسسة مارفل كوميكس (Marvel Comics) وهي شركة مختصة لنشر المجلات والجرائد القصص المصورة “الكوميكس” في الولايات المتحدة، في مدينة نيويورك والتي تأسست في عام 1939، وتُركز هذه المؤسسة أو الشركة بشكل أساسي على الفنتازيا، والحركة، والخيال العلمي، وأدب المغامرات.
  • مؤسسة (DC) دي سي، وهي شركة مختصة بشكل كبير بالكوميكس، والقصص المصورة وأفلام الحركة، حيث تعتبر شركة دي سي جزءاً أساسيا لا يتجزأ من شركة لورانر بروس، والتي تعتبر فرع من الشركة الأكبر والتي تسمى تايم وارنر، أُسست هذه الشركة في عام 1934، ويعود الفضل هنا لمالكوم ويلز نيكلسون، المؤسس لهذه الشركة العريقة التي يقبع مقرها في الولايات المتحدة.

 

 

الكوميكس: سمات وصفات متعددة

تحمل الكوميكس في مكنوناتها العديد من الصفات والسمات الرائعة التي تميزها منذ مراحل ظهورها قديماً إلى وقتنا الحالي، الأمر الذي جعلها جزءاً أساسياً في تطور العديد من المجتمعات، لنتعرف سوياً على أهم تلك المميزات:

  • تعتبر الكوميكس جزءاً أساسياً من ثقافة أيا مجتمع كان، والجدير ذكره أن الكوميكس ترتبط ارتباط وثيقاً في ثقافة المجتمع كما تعتبر ممثلاً عن طبقاته المختلفة المعروفة والغير معروفة من خلال تسليط الضوء عليه وعلى طبقاته المختلفة.
  • تعتبر الكوميكس كتاب غني بالحصيلة اللغوية، كيف ذلك؟ الحصيلة اللغوية تُعرف بأنها مجموعة من الألفاظ والتعابير والعبارات التي ينطقها الناس أو فئة معينة من الناس في ظروف وأوقات معينة، وللتوضيح أكثر، بعض العبارات والكلمات في منطقة ما تشير بشكل رئيسي إلى طبقة ما بالمجتمع، أو تشير إلى انتماء وولاء لشيء ما، ومن تلك العبارات والكلمات يمكنك معرفة شخصية المتحدث سواء كان إسبانياً، أفريقياً، عربياً، أجنبياً حتى دون أن تظهر شخصيته لك، فمن خلال الألفاظ والعبارات المحددة، يستطيع القارئ معرفة جنسية هذا الشخص، مثال أخر، لو أمعنا النظر إلى المصارعين عند الدخول إلى الحلبة، نجد بأن بعضهم يستخدم عبارات وألفاظ خاصة به مثل المصارع الشهر سي أم بانك  الذي يستخدم التعبير المشهور به IT’s clobbering Time، ومثله جون سينا الذي يستخدم عبارات كثير منها Can’t you see me، تلك العبارات قد تصبح جزءاً من الثقافة، وبمجرد سماعها يمكننا أن نستحضر الأشخاص الذي يستخدمون تلك العبارات حتى لو يمكن بإمكاننا رؤيتهم.
  •  تُجسد الكوميكس واقعاً حقيقياً لطبيعة البيئة، أو المكان، أو المجتمع، ففي حال أرادت الكوميكس تجسيد واقع حقيقي لمجتمع أو طبيعة ما، عليها أن تجسد الواقع الذي يعيشه هذا المجتمع، أو الطبيعة لكي تجذب القراء وتجعلهم متعلقين بها.
  • تتميز الكوميكس بالبنية الخيالية النفسية، حيث تعتبر الشخصية المُسردة ( الكومكية) شخصية خيالية، ليس من الضروري أن تكون بيئة خيالية بشكل كامل، فقد شاهدنا من قبل صورة وشخصيات كومكية لرونالد ريغان في قصة Dark knight، وشاهدنا مدينة لا وجود لها في الأساس مثل مدينة متروبليس، وهي المدينة التي يسكن فيها سوبرمان، ومن خلال التجسيد لهذه المدينة، نجد بأنها تحوي العديد من الخصائص الموجودة في المدن الأمريكية الكبرى مثل الشوارع المزدحمة، إشارات المرور، الباعة المتجولون، القطارات والعمارات والمنتزهات وغيرها الكثير، ومن هنا تجسد الكوميكس البناء الخيالي النفسي، بمعنى أخر أن يقوم الفنان أو الكاتب بجعل الفكرة أو الصورة سطحية، ولكن يُضيف عليها طبيعة عامة وخصائص واقعية، ونلاحظ أيضاً أن مدينة غوثام، وهي المدينة الحاضنة للرجل الوطواط، تعتبر مدينة متنوعة الطبقات ذات أجواء طبيعية خاصة.
  •  تدمج الكوميكس الواقع والخيال مع بعضهم البعض من خلال المرور بمراحل الحياة الواقعية، ونلاحظ إبان الحرب العالمية الأولى والثانية، اشترك أبطال العصر الكوميكس الذهبي في محاربة ما كان يسمى بالنازية، والجدير ذكره هنا، أن الكوميكس تدمج بين رسوماتها جزءاً من الخيال، ولكنها لا تبتعد عن الواقع وتجسيده بأي شكل من الأشكال حتى تحافظ على نجاحها وجذب قرائها ومحبيها.  
  •  تتعامل الكوميكس مع جميع الفئات العمرية المختلفة، بغض النظر عن العمر، فجمهور الكوميكس متباين لا يمكن التنبؤ بالفئة العمرية المحبة له، نجد أن الجميع يتابع ويقرأ الكوميكس ولكن بدرجات متباينة، ويعود ذلك لعدد الأبطال الكبير وتنوع وجهاتهم الثقافية والحضارية والسنية، منهم قد يكون عرف، منهم أفارقة، منهم أجانب، منهم منبوذون، منهم مشردين، منهم أشخاص خارقين للعادة، منهم بشر، منهم أجانب، منهم يتامى ومكفوفين ومعوقين، فكل شخص يختار الشخصية المحببة الخاصة به، كما وظهر مؤخراً بعض الكوميكس الذي يتعمق في تفاصيل التفاصيل، ويتضح ذلك من ظهور أبطال من عدة ثقافات مثل ( الفانوس الأخضر) للبطل العربي-الأمريكي سيمون باز، المتهم بقضايا إرهابية.
  • تُشير الكوميكس بشكل دائم إلى مضمون، لا تهدف الكوميكس فقط إلى خلق جو من المتعة والرفاهية فحسب، ولاكن تحمل في مضمونها رسالة واضحة، فمثلا البدلة المرصعة التي يرتديها سوبرمان تشير بشكل أو بأخر إلى الثقافة الأمريكية، ومثال أخر، لو عُدنا إلى مشهد الرجل الوطواط في فلم Dark night return، وبشكل خاص لو ركزنا على المشهد الذي يرفع به بندقية ويصرخ قائلا:” الليلة سنحارب بقبضتنا، هذا السلاح للجبناء”، هذه الجملة تشير إلى رسالة تحذيرية من خطر السلاح للشعب الأمريكي الذي أحل له الدستور أن يحمل كل مواطن سلاحاً يدافع به عن نفسه، ولكن لا يفهم هذه الرسالة الأشخاص الأخرين من خارج المجتمع الأمريكي.
  • تتميز الكوميكس بأنها تجسد مفهوم الحرية كما تُشير أيضاً أن البشرية أجمع لها قدرة على الاختيار، كما وتُشير الكوميكس بشكل أو بأخر أن اختيارك للحرية لا مهرب منه، فهو حقٌ أساسي كما أن حمايته واجب، والجدير ذكره هنا أن جميع الأبطال في الشخصيات الكومكية، الأخيار منهم والأشرار دائماً ما يشيرون بشكل أو بأخر إلى الحرية، كدليل بأن الحرية هي الميزة الأسمى عند الجنس البشري، والكائنات الحية أيضاً، كما أنهم يركزون بشكل أو بأخر على حرية الاختيار.
  • الشخصيات الشريرة في الكوميكس تُجسد واقع الحياة المعاش، ليس الأشرار فقط، بل الأبطال أيضاً، فمثلاً نجد بأن العدو اللدود لشخصية سوبرمان ” لوكس لوثر” انتقل نقلة نوعية من عالم فذ، إلى رجل أعمال فاحش الثراء، قم أصبح مرشح سياسي، بعد ذلك انتقل ليصبح رئيس للولايات المتحدة، هذه الصورة تُجسد الحياة الواقعية في إشارة إلى كيفية تطور الأشرار والشخصيات الفاسدة في الحياة الواقعية.
  • لربما تؤسس الكوميكس لأشياء قادمة مستقبلا، فمثلا نجد ما كانت الكوميكس تُشير إليه في الماضي أصبح اليوم واقعاً موجود في هذا العالم، مثل الهاتف الخلوي اليوم الذي أصبح أمراً واقعياً اليوم رغم أنه كان مجرد صورة كومكية في منتصف القرن الماضي، حاله كحال الطائرات والسيارات والأشياء الأخرى الكثيرة، فمن هنا نجد بأن الكوميكس تعبر بطريقة ما أو بأخرى عما يمكن أن يحدث في المستقبل. 

 

Show CommentsClose Comments

Leave a comment

ترجمة »